الأربعاء، 3 أغسطس 2016

الشاعر والقصيدة مقال بقلم الشاعر والناقد الاديب خالد عرار من فلسطين


الشّاعرُ والقصيدةُ ( 6 )
القارئُ اثنان ، قارئٌ نَهمٌ ، وقارئٌ ثَملٌ ، فاختر لشِعرِكَ أيَّهما يقرأ . فإذا اخترتَ النَّهمَ وجبَ عليكَ تسليطُ الضّوْءِ على المفردة والمعنى ؛ لأنّكَ أمامَ خيّاطٍ ماهرٍ يستطيعُ ربطَ محتواكَ بِما جادتْ عليه الدّنيا من ملذّاتٍ تستقرُّ في العين والقلب ، وتسكنُ الشّفاهَ تردّدها عنادلُ الحيِّ ، فيُنتِجُ الثّوبَ الذي تلبسهُ الزّهرةَ الفوّاحةَ التي تخطُّ اسمكَ كلّما داعبتْ نسيمَ زائرٍ أو فؤادَ عاشقٍ . وإذا اخترتَ القارئَ الثّملَ فودّعْ ما بقيَ في جوفكَ من إبداعٍ ، ونمْ ، ولكن ردّدْ قبل نومكَ : " ما فازَ إلا النُّوَمُ " .
فالشّاعرُ مُعمّرٌ يبني بيوتَ العزِّ والروعة والألق . والشّاعرُ فارسٌ يستنهضُ الهِممَ ، فتبدو المفرداتُ والصّورُ والتراكيبُ طوعَ أمره يشكّلهم كيفما شاء ، فتتشكّلُ منه الغايةُ التي وُجِدتْ لأجلها المفردةُ والصّورةُ ، وما توارى عن ناظري القارئِ خلفَ الأمكنة التي تستظلُّ ظلالَها روعةُ الشّاعرِ .
يقولُ جبران خليل جبران في أسلوب الشّاعر والناقد معاً ، وبلغته الخاصة : " ... أقولُ إنّما الشّاعرُ رسولٌ ، فإذا لم يكنْ هناكَ رسالةً فليسَ هناكَ شاعرٌ " .
والأسلوبُ ليسَ مجرّدَ ألفاظ وتعابير ، ولكنّهُ طريقةُ تفكيرٍ ، وطريقةُ تعبيرٍ معاً . فالأسلوبُ وسيلةُ إظهارِ شخصية الأديب والشّاعر والفنّان .
وعلى هذا أخي الشّاعر إنَّ الحاجةَ ملحّةٌ لميلاد ذلك الشّاعر الذي يتكرّرُ عملاقاً كلّما خطا خطوةً نحو العُلا .. يتكرّرُ كلّما استنبطَ من الممكن ما تقفُ عندهُ قاماتُ الجبال صاغرةً وهيَ تحني الهامة ابتهاجاً بميلاده . فالأرقامُ باتَ يصعبُ إحصاؤها ؛ لأنَّ الأقلامَ أصبحتْ مستباحةً ، وغُيّبتِ المفردةُ الأصلُ التي كانت تجوبُ الدّيارَ تُعمّرها ، وتسرجُ القناديلَ في العتمة المُفتعلة ، فكَثُرَ الهذيانُ لدرجةٍ جعلتْ من لقبِ شاعرٍ عزَّاً وجاهاً أكثرَ منه إبداعاً وصدقاً مع النّفس ، وإصراراً على نحتِ الصَّخرِ لتخرجَ الصُّورةُ كما يجبُ أنْ تكونَ .
ولو طرحنا سؤالاً أخي الشّاعر : ما هيَ وظيفةُ الشّاعر ، وكيفَ يستطيعُ أن يوفّقَ بينَ ما وُجِدَ لهُ ، وبينَ إمكاناته ؟
كانتِ العربُ في الجاهلية تقيمُ الأفراحَ وتذبحُ الذّبائحَ ، وتأتي القبائلُ للتهنئةِ إذا برز فيها شاعرٌ ، وذلك لأنّهم يعلمونَ مكانة الشّاعرِ ودورهُ في الدّفاع عن القبيلة بالكلمة والسّيف . لكن وَجبَ على الشّاعر أنْ يمتلكَ الأدواتِ التي تؤهلّهُ للقيام بدوره كمنافحٍ عن أهله .
فإذا لم يمتلكِ الشّاعرُ مقوماتِ شاعرٍ ، وكانتْ لغتهُ ركيكةً ، وكانت مفرداتُهُ لا تسمنُ ولا تُغني من إبداعٍ ، فإنّهُ سيصبحُ عالةً على الشّعر وعلى الأدب ، وسيكونُ جسماً بلا فائدة ؛ لأنَّ فاقد الشيءِ لا يعطيه ، وفاقدُ اللغة والصّورة والإبداع لن يُعطي فنّاً يحملُ رسالةً .
أعجبني
تعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق