الخميس، 14 يوليو 2016

الشاعر والقصيدة بقلم الشاعر والناقد الفلسطيني خالد عرار

الشاعر والقصيدة
بينما وأنا أتصفّحُ ذاتي ، وجدتُني على غصن قصيدةٍ قد هاجرتْ منذُ حرفينِ وقُبلة ، ووجدتُني أزاحمُ الطّيورَ أعشاشها ؛ لأني صنعتُ من المجازاتِ ريشاً ، ومن الاستعارات قشّاً أبني به القصيدةَ التي ستحملني عبر سني العمر .
أيّها الشّاعرُ .. أنتَ لستَ وحدكَ ، فالمكان يتسعُ للآلاف من الشُّعراء والهُواةِ ، فابحث عن موطئِ قدمٍ ؛ لأنَّ الفاصل بين الحرف وبين الحرف فراغٌ مُبهمٌ ، فاحذر من السّيرِ في عتمة اللاوعي ، وعتمة اللا فكر . وجُدْ ، ولا تبخل على نفسكَ بأشهى المقطوعات الأدبية التي تتشكّلُ ، فتتكورُ لتجعلَ منك أنتَ رغم كثرة العابرين . 
اهتمَّ النُّقادُ والبلاغيونَ ببيان ما يتطلّبهُ الشّعرُ والكاتبُ والناقدُ من ثقافةٍ مُكتسَبةٍ ، ودربةٍ ومِرانٍ ، إلى جانب الموهبة . يقولُ بشرُ بن المعتز : " خُذْ من نفسِكَ ساعةً لنشاطك ، وفراغِ بالك واجابتها لك .. إياك والتّوعر ، فإنَّ التّوعّرَ يُسلمكَ إلى التقليد " .
نعم أيّها الشّاعرُ .. أجبْ نفسكَ ، ولا تحرمها من حقّها في السّفر مع الحساسين التي تجمعُ الحبَّ لصغارها ، فاجمع أنت الحبَّ لقصيدتك ، وانسجْ من الأغصانِ ثوباً مخمليّاً تلبسهُ أنتَ والقصيدة معاً ، لأنّكما تتبعانِ نفس الدّرب .
ويوصي الجاحظُ الشّاعرَ المثابرَ فيقولُ : " ولا تهملْ طبيعتكَ فيستولي الإهمالُ على قوة القريحة " . ففي هذا دعوةٌ منه لكلِّ مَن رفع لواءَ الشِّعر بألا ينسى نفسهُ ، وأنْ يوازنَ بينَ كونه شاعراً يبتكرُ الشيءَ من لا شيء ، وبين كونه إنساناً يتّبعُ الحقيقة تلو الحقيقة ، ليصدقَ معَ اثنين هما الشّاعرُ والإنسانُ الذي يسكنه ، فإنْ سلّمَ نفسهُ للوهم أصبحَ شاعراً بعيداً عن مراتع الحروف ، وإن نقلَ الصّورةَ كما هيَ أصبحَ رسّاماً يستعطفُ جمهوراً يلبسون النظّارات الشّمسيّة الملوّنة ؛ بل هو الواقعيُّ السّابحُ في فضاء الأمكنة الباحثُ عن النُّجوم ولو في نهار مُبصر .
قِيلَ قديماً : " أشعرُ الناس مَنْ أنتَ في شعره حتى تفرغَ منه " .. عبارةٌ استوقفتني ، ودعتني إلى التّأمل في كم القصائد المتدفقة علينا من مئات الشّعراء . الشّعراء الذين يُهذّبونَ قصائدهم لتصبح بعد ذلك بيتاً يمكثُ فيه القارئُ العابرُ ، والقارئُ المتمكّن ، والناقدُ الذي يبحثُ بشكلٍ مستمرٍ عن الروعة والأصالة والجديد في كلّ جديد تصلُ يدُهُ إليه .
فالقصيدة الناجحةُ هي التي تُجبركَ على البقاء في ظلالها ما دمتَ تتذوّقُ شهدها ، أمّا القصيدةُ التي تطردكَ من على بابها فليست جديرةً بجهد ووقت القارئ والناقد ، لذلك وَجبَ على الشّاعر ألا يعتبرَ نفسهُ مُصوراً فوتغرافياً ينقلُ صورةً طبق الأصل عن الواقع ، بل هو نحّاتٌ .. رسّامٌ .. بنّاءٌ .. غوّاصٌ .. كلّما أبحرَ أبهرَ مَنْ حولَ قصيدته بخفايا بحره .. يرسمُ لا ليقلّدَ ، وإنّما ليجبرَ القرّاءَ على المكوث أطولَ فترةٍ ممكنةٍ في ديار قصيدته .
يقولُ الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك : " النّهرُ ينسى أحياناً ويجري إلى الوراء " . لو أردنا أنْ نحاورَ أنفسنا لَحُطّت رحالُنا جوارَ هذا القول . فأنسنةُ النّهر ، وجعلهُ بشراً ينسى ويسيرُ إلى الوراء .. فيها من إسقاطِ الحال على أسماءَ تَركتِ البوصلةَ واتّجهتْ للوراء بحثاً عن الغد ، وتسلّحت بوهمِ القدرة على الاستمرارية ، مَعَ أَنّها خلعتِ المعطفَ الشّتوي ، وتركتْ برد الكانون ينهشُ لحمَ الفكرة ، فيذوبُ الجسدُ النّحيلُ لأنّه أسلمَ الرّايةَ لها . 
والشّعرُ إذا لم يُثمرْ وَجبَ بترُهُ ، لأنّه عالةٌ على الشّاعر والقرّاء ، فليسَ المُرادُ أوراقاً تتبعثرُ هنا وهناك ، بل قصيدةٌ تبقى ما بقيَ النّسيمُ ، وما تهادتِ الأمواجُ نحو شاطئٍ مَلاذٍ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق